أبي حيان التوحيدي

34

المقابسات

ولا يترصد وقتها . واللّه أعلم بخلقه ، وأرأف بعباده ، يختار ما كان لهم الخبرة وإنك بحيث لا يجهل موضعك من بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، وكهف الحكمة ، ولا يجحد حقك فيما أتاك ربك من العلم ، ومنحك من الفقه والدين ، هذا إلى مزايا خصصت بها ، وفضائل اشتملت عليها ؛ ولكن [ لك ] من يزاحمك بمنكب أضخم من منكبك . وقربى أمسّ من قرباك ، وسن أعلى من سنك ، وشيبة أروع من شيبتك ، وسيادة معروفة في الجاهلية والإسلام ومواقف ليس لك فيها جمل ولا ناقة ، ولا تذكر منها في مقدمة ولا ساقة ، ولا تضرب فيها بذراع ولا إصبع ، ولا تعد منها ببازل ولا هبع « 1 » إن أبا بكر كان حبة قلب رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) ، وعلاقة نفسه ، وعية سره [ ومفزع رأيه ومشورته ] ومثوي حزنه ، وراحة باله ، ومرمق طرفه [ وذلك بمحضر الصادر والوارد من المهاجرين والأنصار ] شهرته مغنية عن الدلالة عليه . ولعمري إنك أقرب منه إلى رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) قرابة ، ولكنه أقرب منك قربة ، والقرابة لحم ودم ، والقربة روح ونفس ، وهذا فرق عرفه المؤمنون ، ولذلك صاروا اليه أجمعون ، ومهما شككت فلا تشك في أن يد اللّه مع الجماعة ، ورضوانه لأهل الطاعة ، فادخل فيما هو خير لك اليوم وأنفع [ لك ] غدا ، والفظ من فيك ما هو عالق بلهاتك وانفث سخيمة صدرك [ عن تقاتك ] فإن يكن في الأمد طول ، وفي الأجل فسحة ، فستأكله مريّا أو غير مري ، وستشربه هنيئا أو غير هنى ، حين لا راد لقولك إلا من كان آيسا منك ولا تابع لك إلا من كان طامعا فيك ، حين يمضّ إهابك ، ويعرك أديمك ، ويزرى على هدبك ، هنالك تقرع السن من ندم ، وتشرب الماء ممزوجا بدم ، حين تأس على ما مضى من عمرك ، وانقضى ( من فوتك ) وانقرض من دارج قومك ، وتود أن

--> ( 1 ) البازل : الجمل لتام الخلق القوى الأسر والهبع : الفصيل